محمد بيومي مهران

357

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

كبير ، ومن ثم فإن بني إسرائيل عندما دخلوا منطقة جنوب سيناء ، حيث أقام المصريون المشتغلون بالتعدين معبدا لحاتور ، ارتدوا عن الوحدانية إلى العقائد الوثنية التي اكتسبوها بمصر ، وطالبوا موسى عليه السلام بأن يجعل لهم إلها ، ربما على هيئة حاتور ، غير أن كليم اللّه عليه السلام ، استطاع بقوة إيمانه ، ورسوخ عقيدته ، وقوة شخصيته أن يمنع قطيعه من الردة الأولى هذه ، وبالتالي لم يتمكن القطيع من عبادة حاتور أو غيرها من الآلهة الوثنية ، لكنهم سرعان ما اهتبلوا فرصة ذهاب موسى لميقات ربه لمدة ثلاثين ليلة ، فلما أتمها له ربه أربعين ليلة ، كفر القطيع بموسى ، وإله موسى ، وعادوا إلى ما ألفوه من عبادة العجول في مصر ، وانطلاقا من كل هذا ، يمكننا القول أن الردة الأولى إنما كانت لعبادة حاتور ، الإلهة البقرة ، ولكن موسى عليه السلام نجح في وأد المحاولة في بدايتها ، وأما الردة الثانية فكانت لعبادة العجل الذهبي ، تقليدا لعبادة العجل منفيس أو أبيس ، لا ندري على وجه اليقين . ومن ثم فإننا نوافق الرأي الذي ذهب إلى أن معبود إسرائيل الذهبي في سيناء إنما كان عجلا ، ولم يكن بقرة ، صحيح أن بعض العلماء نادى المعبود إنما كان بقرة ، ولكن الذي يلزمنا هنا هو كلام اللّه عز وجل ، كما جاء في الذكر الحكيم « 1 » ، فضلا عن التوراة « 2 » ، وليس ما درج الباحثون أن يقدموا ، فإنما هو اجتهاد ، وفوق كل ذي علم عليم ، وصدق اللّه العظيم حيث يقول : وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ « 3 » ، ويقول : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً

--> ( 1 ) أنظر : سورة البقرة : آية 51 - 54 ، 92 - 93 ، النساء : آية 153 ، الأعراف : آية 148 - 152 ، طه : آية 83 - 98 . ( 2 ) خروج 32 / 3 - 6 . ( 3 ) سورة البقرة : آية 92 ، وانظر : تفسير الطبري 1 / 354 - 358 ، تفسير النسفي 1 / 71 - 72 ، -